الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
433
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والعارفون ولا يقعوا أسرى في شراك هذه النعم ، ويفيق المغرورون من سكر غفلتهم ولا يسلكوا طريق الظلم والعدوان . 2 - نلاحظ هنا حضارتين عظيمتين ، إحداهما رحمانية ، والأخرى شيطانية المصير ، لكنهما واجهتا الفناء ولم تخلدا . 3 - ومما يستحق الانتباه ، هو أن المغرورين من قوم سبأ الذين لم يستطيعوا تحمل وجود المستضعفين بينهم ، وتمنوا حاجزا منيعا بين الأقلية الأشراف والأكثرية الفقراء يحول دون اختلاطهم ، ودعوا الله أن يباعد بين قراهم حتى يشق السفر على الفقراء ، وقد إستجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم وفرق جمعهم ، ومزقهم أيادي سبأ ، حتى أنهم لو أرادوا الالتقاء لتطلب منهم ذلك أن يصرفوا عمرا كاملا في السفر . 4 - حينما يدقق المتأمل في وضع تلك الأرض قبل هجوم " سيل العرم " وبعده ، لا يمكنه أن يصدق بسهولة أن هذه الأرض بعد السيل هي تلك الأرض الخضراء المليئة بالأشجار المورقة المثمرة ، وكيف أضحت الآن صحراء موحشة ليس فيها إلا بضعة أشجار مبعثرة من الشجر المر والأراك وقليل من شجر السدر تتراءى من بعيد كمسافرين أضاعوا طريقهم وتبعثروا هنا وهناك . وهذا يجسد بلسان الحال : أن " كيان الإنسان " كهذه الأرض ، فإذا استطاع السيطرة على قواه الخلاقة واستخدمها بالشكل الصحيح ، فإنه ينبت بساتين مليئة بالطراوة من العلم والعمل والفضائل الأخلاقية ، ولكن إذا كسر سد التقوى ، وانهالت الغرائز كالسيل المدمر ، وغطت أرض حياة الإنسان ، فلن يبقى غير الخراب ، وأحيانا فإن أعمالا ظاهرها أنها بسيطة تبدأ بالتأثير تدريجيا على الأسس ، حتى ينهار كل شئ ، لذا يجب الخوف والحذر حتى من هذه الأمور الصغيرة التافهة ظاهرا .